القاهرة، السادس عشر من أيار عام 2024. بلاغ روتيني يصل إلى النيابة العامة المصرية: جثة امرأة مجهولة الهوية، مُلقاة على طريق صحراوي يربط بين القاهرة وبورسعيد. حادثة كهذه، للأسف، ليست الأولى من نوعها في السجلات الجنائية. لكن ما بدأ كملف عادي، تحوّل خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكثر القضايا التي هزّت الرأي العام المصري في تاريخه الحديث.
بصمة واحدة تفتح كل شيء
لم يكن لدى المحققين في البداية سوى الجثة وموقع العثور عليها. أمرت النيابة العامة برفع البصمات، وفي خطوة حاسمة تمكنت الفرق الجنائية من تحديد هوية الضحية. من هذه النقطة، بدأ خيط التحقيق يتكشف بسرعة: من هي آخر جهة التقت بها الضحية؟ إلى أين ذهبت في ساعاتها الأخيرة؟
قادت التحريات إلى شقة في حي التجمع الخامس شرق القاهرة، أحد أرقى الأحياء السكنية في المدينة، يقطنها رجل في السابعة والثلاثين من عمره يعمل مدرساً للغة الإنجليزية. مظهره الهادئ، ووظيفته المحترمة، وحديثه المنمّق، جعلته آخر شخص قد يُشتبه به من قِبل من عرفوه. لكن خلف هذا الواجهة الاجتماعية الآمنة، كانت تختبئ واحدة من أكثر الشخصيات اضطراباً التي واجهتها العدالة المصرية.
غرفة صُممت للقتل
كشفت التحقيقات أن المتهم، كريم محمد سليم، كان يستدرج الفتيات إلى شقته بذرائع مختلفة، حيث أعدّ غرفة معزولة الصوت داخل المنزل خصيصاً لهذا الغرض. كان يُخضع ضحاياه لمواد مخدرة قبل أن يرتكب بحقهن جرائم قتل وتعذيب موصوفة، ويقوم بتصوير الوقائع بهاتفه المحمول. عثرت النيابة العامة لاحقاً على أكثر من ثلاثمئة مقطع فيديو تنتمي إلى هذا الملف، شكّلت لاحقاً جزءاً أساسياً من الأدلة التي أدين على أساسها.
تخلص المتهم من جثث ضحاياه الثلاث بإلقائها في مناطق صحراوية متفرقة بين القاهرة وبورسعيد والإسماعيلية، معتمداً على بُعد هذه الطرق وقلة الحركة فيها لتأخير أي اكتشاف. لكن الخطأ الذي لم يحسب له حساباً، كان بساطة إجراء جنائي واحد: بصمة تكفي لكشف هوية الضحية الأولى، وفتح الباب أمام سلسلة الاعترافات كاملة.
دفاع يطلب فحصاً للدماغ
في قاعة المحكمة، لم ينكر الدفاع الوقائع بقدر ما حاول تفسيرها. طالب محامو المتهم بإخضاعه لفحوصات نفسية وأشعة مقطعية على الدماغ، بحجة إصابته بعيب خلقي أثّر على تكوين شخصيته منذ الطفولة. وصفوه بأنه يعاني من اضطراب ثنائي القطب واضطرابات نفسية حادة، وطالبوا بتغيير وصف التهمة من القتل العمد إلى "ضرب أفضى إلى موت"، في محاولة لتخفيف العقوبة المرتقبة.
لم تقتنع المحكمة بهذا الدفاع. استمعت لشهادة الطبيب الشرعي الذي أكد أن الأدلة المتوفرة لا تتعارض مع اعترافات المتهم التفصيلية، وأن الأدلة الفنية والمصورة كانت كافية لإثبات الإدانة اليقينية.
نهاية الطريق القانوني
في أيلول عام 2024، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمها الأول بإعدام كريم سليم شنقاً، بعد إحالة أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي، وفق ما يقتضيه القانون المصري في أحكام الإعدام. طعن الدفاع على الحكم، لكن محكمة الجنايات المستأنفة أيدت الإعدام مجدداً في الخامس والعشرين من كانون الأول من العام نفسه. وفي مسعى قانوني أخير، تقدّم الدفاع بطعن أمام محكمة النقض، وهي أعلى درجة تقاضٍ في القضاء المصري. رفضت محكمة النقض هذا الطعن في آذار من عام 2026، لتصبح رقبة الرجل الذي وُصف إعلامياً بـ"سفاح التجمع" في عهدة تنفيذ الحكم النهائي.
قضية تجاوزت قاعة المحكمة
لم تنتهِ تداعيات هذه القضية عند صدور الحكم. أثارت وقائعها الصادمة نقاشاً واسعاً في الشارع المصري حول طبيعة الجريمة النفسية، وحدود المسؤولية الجنائية للمصابين باضطرابات عقلية موثقة. كما دخلت القضية في نزاع قانوني منفصل، حين تقدمت عائلة المتهم بشكوى ضد جهة إنتاج سينمائي حوّلت الملف إلى فيلم روائي، متهمة صناع العمل بالتشهير ونشر تفاصيل من ملف قضائي لم يكن قد حُسم بعد وقت التصوير.
تبقى قضية "سفاح التجمع" مثالاً صارخاً على المسافة الفاصلة أحياناً بين الصورة الاجتماعية الهادئة التي يقدمها شخص ما، وبين ما يمكن أن يُخفيه خلف الأبواب المغلقة.