→ رجوع للملفات النصية
FILE No. 004 — نسخة مكتوبة
نسخة
مكتوبة
كاملة
ملف نصي — قراءة كاملة

سفاح التجمع: الوجه الهادئ الذي أخفى غرفة الموت

مدرّس لغة إنجليزية هادئ المظهر، تحوّل لواحدة من أبشع قضايا القتل في تاريخ مصر الحديث. القصة الكاملة موثقة بمصادر رسمية.

مدة القراءة: 8 دقائق
النوع: ملف نصي كامل

القاهرة، السادس عشر من أيار عام 2024. بلاغ روتيني يصل إلى النيابة العامة المصرية: جثة امرأة مجهولة الهوية، مُلقاة على طريق صحراوي يربط بين القاهرة وبورسعيد. حادثة كهذه، للأسف، ليست الأولى من نوعها في السجلات الجنائية. لكن ما بدأ كملف عادي، تحوّل خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكثر القضايا التي هزّت الرأي العام المصري في تاريخه الحديث.

بصمة واحدة تفتح كل شيء

لم يكن لدى المحققين في البداية سوى الجثة وموقع العثور عليها، بلا أي وثيقة هوية أو دليل ظاهري. أمرت النيابة العامة برفع البصمات فوراً، وفي خطوة حاسمة تمكنت الفرق الجنائية المتخصصة من تحديد هوية الضحية خلال ساعات قليلة من رفع البصمة ومطابقتها بقاعدة البيانات الوطنية. من هذه النقطة، بدأ خيط التحقيق يتكشف بسرعة لافتة: من هي آخر جهة التقت بها الضحية؟ إلى أين ذهبت في ساعاتها الأخيرة؟ ومن كان آخر من تواصل معها عبر هاتفها المحمول؟

قادت التحريات، عبر تتبع بيانات الاتصالات وكاميرات المراقبة المنتشرة في محيط سكنها الأخير، إلى شقة في حي التجمع الخامس شرق القاهرة، أحد أرقى الأحياء السكنية في المدينة والمعروف بمستوى أمنه العالي نسبياً. يقطن الشقة رجل في السابعة والثلاثين من عمره يعمل مدرساً للغة الإنجليزية في إحدى المدارس الخاصة. مظهره الهادئ، ووظيفته المحترمة، وحديثه المنمّق باللغتين العربية والإنجليزية، جعلته آخر شخص قد يُشتبه به من قِبل من عرفوه أو تعامل معه يومياً، سواء كانوا زملاء أو طلاباً أو جيراناً. لكن خلف هذه الواجهة الاجتماعية الآمنة، كانت تختبئ واحدة من أكثر الشخصيات اضطراباً التي واجهتها العدالة المصرية في تاريخها الحديث.

غرفة صُممت للقتل

كشفت التحقيقات، بعد تفتيش الشقة بأمر قضائي، أن المتهم، كريم محمد سليم، كان يستدرج الفتيات إلى شقته بذرائع مختلفة تتراوح بين عروض عمل وهمية ولقاءات اجتماعية بريئة الظاهر، حيث أعدّ غرفة معزولة صوتياً بالكامل داخل المنزل خصيصاً لهذا الغرض، باستخدام مواد عازلة احترافية على الجدران والباب. كان يُخضع ضحاياه لمواد مخدرة، تحديداً مخدر "الآيس" المعروف علمياً بالميثامفيتامين البلوري، قبل أن يرتكب بحقهن جرائم قتل وتعذيب موصوفة، ويقوم بتصوير الوقائع بالكامل بهاتفه المحمول لأسباب لم تُحدد بدقة حتى صدور الحكم النهائي. عثرت النيابة العامة لاحقاً، بعد فحص فني دقيق لهواتفه وأجهزته الإلكترونية، على أكثر من ثلاثمئة مقطع فيديو تنتمي إلى هذا الملف، شكّلت لاحقاً جزءاً أساسياً ومحورياً من الأدلة التي أدين على أساسها في المحكمة.

تخلص المتهم من جثث ضحاياه الثلاث بإلقائها في مناطق صحراوية متفرقة بين القاهرة وبورسعيد والإسماعيلية، على مسافات زمنية متباعدة بين كل جريمة والأخرى، معتمداً على بُعد هذه الطرق وقلة الحركة فيها خصوصاً في ساعات الليل المتأخرة، لتأخير أي اكتشاف محتمل لأطول فترة ممكنة. لكن الخطأ الذي لم يحسب له حساباً كافياً، كان بساطة إجراء جنائي واحد أصبح روتينياً في التحقيقات الحديثة: بصمة واحدة تكفي لكشف هوية الضحية الأولى، وفتح الباب أمام سلسلة الاعترافات كاملة بعد المواجهة المباشرة بالأدلة الفنية.

دفاع يطلب فحصاً للدماغ

في قاعة المحكمة، لم ينكر الدفاع الوقائع المادية بقدر ما حاول تفسيرها وتخفيف تبعاتها القانونية. طالب محامو المتهم، في مذكرة دفاع مفصلة، بإخضاعه لفحوصات نفسية شاملة وأشعة مقطعية على الدماغ، بحجة إصابته بعيب خلقي أثّر على تكوين شخصيته منذ الطفولة المبكرة. وصفوه في مرافعاتهم بأنه يعاني من اضطراب ثنائي القطب واضطرابات نفسية حادة أخرى لم تُشخص طبياً من قبل بشكل رسمي، وطالبوا بتغيير وصف التهمة القانوني من القتل العمد مع سبق الإصرار إلى "ضرب أفضى إلى موت"، في محاولة واضحة لتخفيف العقوبة المرتقبة من الإعدام إلى السجن المشدد.

لم تقتنع المحكمة بهذا الدفاع رغم تفصيله. استمعت لشهادة الطبيب الشرعي الذي أكد بشكل قاطع أن الأدلة المتوفرة، بما فيها التسلسل الزمني الدقيق للجرائم والتخطيط المسبق الواضح لإعداد الغرفة المعزولة، لا تتعارض إطلاقاً مع اعترافات المتهم التفصيلية أمام النيابة، وأن الأدلة الفنية والمصورة كانت كافية تماماً لإثبات الإدانة اليقينية بمعزل عن أي جدل حول الحالة النفسية.

نهاية الطريق القانوني

في أيلول عام 2024، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمها الأول بإعدام كريم سليم شنقاً، بعد إحالة أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي، وفق ما يقتضيه القانون المصري إلزامياً في جميع أحكام الإعدام قبل اعتمادها نهائياً. طعن الدفاع على الحكم أمام محكمة الجنايات المستأنفة، لكنها أيدت الإعدام مجدداً بالإجماع في الخامس والعشرين من كانون الأول من العام نفسه، بعد مراجعة كاملة لأوراق القضية والأدلة المقدمة. وفي مسعى قانوني أخير ووحيد متبقٍ أمام الدفاع، تقدّم بطعن أمام محكمة النقض، وهي أعلى درجة تقاضٍ في القضاء المصري ولا يوجد بعدها أي درجة استئناف أخرى. رفضت محكمة النقض هذا الطعن نهائياً في آذار من عام 2026، بعد مراجعة قانونية دقيقة لإجراءات المحاكمة، لتصبح رقبة الرجل الذي وُصف إعلامياً على نطاق واسع بـ"سفاح التجمع" في عهدة تنفيذ الحكم النهائي وفق الإجراءات القانونية المصرية المعتادة.

قضية تجاوزت قاعة المحكمة

لم تنتهِ تداعيات هذه القضية عند صدور الحكم النهائي فقط. أثارت وقائعها الصادمة نقاشاً مجتمعياً واسعاً في الشارع المصري حول طبيعة الجريمة النفسية، وحدود المسؤولية الجنائية للمصابين باضطرابات عقلية موثقة أو غير موثقة، وهو نقاش قانوني وأخلاقي متكرر عالمياً في قضايا مشابهة. كما دخلت القضية في نزاع قانوني منفصل تماماً، حين تقدمت عائلة المتهم بشكوى رسمية ضد جهة إنتاج سينمائي حوّلت الملف إلى فيلم روائي طويل بسرعة لافتة، متهمة صناع العمل بالتشهير ونشر تفاصيل حساسة من ملف قضائي لم يكن قد حُسم بعد نهائياً وقت التصوير والعرض الأول.

تبقى قضية "سفاح التجمع" مثالاً صارخاً وحديثاً نسبياً على المسافة الفاصلة أحياناً بين الصورة الاجتماعية الهادئة والمحترمة التي يقدمها شخص ما للعالم الخارجي، وبين ما يمكن أن يُخفيه فعلياً خلف الأبواب المغلقة لسنوات دون أن يشك فيه أحد من محيطه القريب.

شاهد الحلقة كاملة على يوتيوب شو رأيك بالقصة؟ اكتب رأيك بتعليقات الفيديو 👇

تصنيف المصادر

🟢 موثقة رسمياً: تفاصيل التحقيق، الاتهامات، وأحكام محكمة الجنايات ومحكمة النقض — موثقة عبر بيانات النيابة العامة المصرية وتغطية وكالات الأنباء الرسمية.

🟡 روايات منسوبة لمصدر واحد: تفاصيل الدفاع النفسي وتصريحات المحامين تعتمد على تصريحات إعلامية منسوبة مباشرة لفريق الدفاع.

[روابط المصادر الرسمية الكاملة موجودة بصفحة توثيق الحلقة]افتح صفحة التوثيق ←

اقترح قصة عبر واتساب